محمد عبد الله دراز
37
دستور الأخلاق في القرآن
« قاعدة » ذات طابع عام ، تستأثر باعتراف الجميع . فإذا تجاوزنا حدا معينا نجد أنّ « اليقين » الأخلاقي قد ترك مكانه للاحتمالات ، والتّردد ، والمتاهات . وهذا هو السّبب الّذي من أجله بعث اللّه في النّاس ، من حين لآخر ، نفوسا متميزة ملهمة بالوحي الرّباني ، وتستطيع على مدى التّاريخ الإنساني أن تضطلع برسالة إيقاظ الضّمائر ، وإزالة الغشاوة عن النّور الفطري الّذي أودعه اللّه فينا . وهذه النّفوس المصطفاة ، بتعاليمها الدّقيقة الّتي تلقنها للناس ، تعمل على حصر الاختلافات بينهم في أضيق نطاق ممكن ، وخاصة بالنسبة لتقدير الحكم الأخلاقي . وهكذا يجد النّور الفطري ما يكمله ويقويه من وحي النّور الإلهي نُورٌ عَلى نُورٍ « 1 » . غير أنّ هذا التّعليم الايجابي لا يلقى علينا كأمر تعسفي ، أو تحكمي مجرد عن كلّ ما يبرره ، ويكسبه الصّيغة الشّرعية ؛ بل نجده على العكس يقدم إلينا مدعما بميزتين : فهو من ناحية يخاطب ضمائرنا ليحصل على موافقتها ، ومن ناحية أخرى يبرز « المثل الأعلى » في ذاته ليدعم به شرعيته . وهاتان الميزتان شرط مزدوج ، وضروري لتأسيس مفهوم « القانون الأخلاقي » . ذلك أنّ القانون - أي قانون - إذا لم يحصل على موافقة
--> ( 1 ) النّور : 35 . وانظر ، الحديث القدسي المروي عن ابن عباس رضى اللّه عنه ، في قوله تعالى : نُورٌ عَلى نُورٍ ، قال كذلك قلب المؤمن يعرف اللّه عزّ وجلّ ، ويستدل عليه بقلبه ، فإذا عرفه ازداد نورا على نور » كما جاء في تفسير القرطبي : 7 / 26 و : 12 / 263 ، أو هو ( تشبيه عبد المطلب بالمشكاة ، وعبد اللّه والد الرّسول صلّى اللّه عليه وآله بالزجاجة ، والنّبي صلّى اللّه عليه وآله بالمصباح ) أو المؤمن يتقلب في خمسة من النّور ، فكلامه نور ، وعمله نور ، ومدخله نور ، ومخرجه نور ، ومصيره إلى نور يوم القيامة إلى الجنة ) كما جاء في تفسير ابن كثير : 3 / 292 ، تفسير الطّبري : 18 / 134 - 138 ، فتح الباري : 11 / 118 ، تحفة الأحوذي : 5 / 475 و : 9 / 262 ، فيض القدير : 2 / 137 - 138 ، أو الحديث الوضوء المروي عنه صلّى اللّه عليه وآله ( الوضوء نور على نور ) ، انظر ، الذكرى للشهيد الأوّل : 66 ، وسائل الشّيعة : 1 / 377 ح 8 ، جامع المقاصد : 1 / 70 .